سلطت صحيفة "جيروزاليم بوست" على الوساطة الثلاثية التي تقودها تركيا ومصر وباكستان لإنهاء الحرب على إيران، فيما وصفته بأنه تحالف يبدو غريبًا ومثيرًا للدهشة، لكنها قالت إن تحليل التطورات في المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 يُظهر أنه ليس ظاهرة جديدة، بل هو قائم على مصالح مشتركة، ويُشير إلى تحالف إقليمي جديد ينبغي أن يُثير قلق إسرائيل.
وأوضحت أن جذورهذا التحالف تعود إلى قمة ضمت 22 دولة عربية و57 دولة إسلامية اجتمعت في الرياض في نوفمبر 2023، بعد فترة وجيزة من 7 أكتوبر، بهدف صياغة موقف عربي إسلامي جماعي بشأن الحرب في غزة.
وذكرت أنه كان من نتائج هذه القمة تشكيل "لجنة ثمانية" - يضم السعودية وإندونيسيا وتركيا وقطر والأردن ومصر ونيجيريا والفلسطينيين، للحفاظ على التواصل مع القوى الكبرى، لتعزيز وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية لغزة- لكن انسحبت نيجيريا والفلسطينيون، وحلت بدلاً منهما باكستان والإمارات العربية المتحدة.
وأشارت إلى الاجتماعات المشتركة التي عقدتها هذه الدول والبيانات التي أصدرتها خلال حرب غزة، ففي سبتمبر، أعربت عن دعمها لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحلّ الأزمة في غزة،وفي نوفمبر، أصدرت بيانًا آخر يدعم تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة.
وأوضحت أنه على الرغم من أن التوافق لم يكن سائدًا دائمًا بين أعضاء المجموعة الثمانية، إلا أن ما جمعها هو الرغبة في حلّ أزمة غزة من خلال تنفيذ خطة ترامب، بهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي.
الحرب ضد إيران
وتابعت: "أدت جولتا الحرب ضد إيران إلى زيادة مخاوف هذه الدول بشأن تدهور الاستقرار الإقليمي إلى الفوضى، لا سيما فيما يتعلق بالآثار الأمنية والاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز المحتمل".
وفي 18 مارس، استضافت الرياض اجتماعًا ضم 12 وزير خارجية من الدول العربية والإسلامية – مصر، الأردن، الكويت، قطر، باكستان، لبنان، الإمارات العربية المتحدة، سوريا، تركيا، أذربيجان، والبحرين– معظمها تقع بالقرب من مسرح الصراع ومعرض للهجمات الإيرانية.
وأدان البيان الصادر الضربات الإيرانية ضد دول الخليج وتركيا وأذربيجان؛ وأعرب عن دعمه لتعزيز سيادة الدولة في لبنان وحصر السلاح بيدها؛ وأدان في المقابل هجمات إسرائيل على لبنان وطموحاتها التوسعية في المنطقة.
تحالفات أمنية إقليمية جديدة
وخلال الاجتماع، ناقش وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان اتفاقيةً لإنشاء منصة أمنية جديدة لمواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية. وفي هذا السياق، قالت الصحيفة إنه ربما لا يُستغرب سعي تركيا ومصر وباكستان للتوسط بين إيران والولايات المتحدة في محاولة لإنهاء الحرب.
ما الذي يربط هذه الدول؟
أوضحت الصحيفة أن الإجابة تبدأ على المستوى الثنائي، فعلى سبيل المثال، وقّعت المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاقية دفاعية في سبتمبر، تتضمن تعاونًا عسكريًا والتزامًا بالتعامل مع أي هجوم على إحداهما على أنه هجوم على كلتيهما.
ومع ذلك، في لحظة الحقيقة، لم تُقدّم باكستان العون للسعودية عندما تعرّضت لهجوم إيرانيـ بحسب قولها.
كما حدث تقارب ثنائي بين مصر وتركيا، وبين تركيا والسعودية، ففي الرابع من فبراير، زار الرئيس رجب طيب أردوغان الرياض، وفي اليوم التالي زار القاهرة. وإلى جانب البيانات المشتركة التي أشارت إلى اتفاق بشأن أهم القضايا، أسفرت الزيارتان عن العديد من الاتفاقات في مجالي التجارة والأمن.
وقالت "جيروزاليم بوست" إن العلاقة بين هذه الدول، بطبيعة الحال، تقوم على المصالح - بعضها مشترك والبعض الآخر ثنائي بحت.
وأشارت إلى أن جميع هذه الولايات لديها مصالح سياسية واقتصادية في الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة وتعزيزها. لذلك، ليس من المستغرب أن تكون جميعها أعضاء في مجلس السلام الذي شكله ترامب.
كما أنها مهتمة بتقليص النفوذ الإقليمي لإيران وإسرائيل، وربما حتى الهند. فيما أشارت الصحيفة إلى أن الحرب عززت فكرًا سائدًا في الشرق الأوسط ينظر إلى كل من إيران وإسرائيل كعاملين للفوضى الإقليمية.
مع ذلك، قالت إنه على الرغم من ضعف إيران بشكل ملحوظ - حتى وإن بقي نظامها في السلطة - فقد أظهرت إسرائيل قوتها العسكرية والاستخباراتية. علاوة على ذلك، فإن صورة إسرائيل كقوة إقليمية متسلطة، كما تجلت في ضرباتها على قطر وإيران، فضلاً عن سياسات الحكومة اليمينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي سوريا ولبنان، تعزز الانطباع بأن إسرائيل تسعى إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية.
ورأت الصحيفة أن هذا التغيير الإقليمي الذي يبدو جديدًا له تداعيات إقليمية، وربما عالمية أيضًا. ويقارب عدد سكان مصر وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية مجتمعة 500 مليون نسمة (يبلغ عدد سكان باكستان وحدها أكثر من 250 مليون نسمة).
علاوة على ذلك، تمتلك باكستان أسلحة نووية؛ والمملكة العربية السعودية هي ثالث أكبر مورد للنفط في العالم وتمتلك ثاني أكبر احتياطيات، ولها مكانة مركزية في العالم الإسلامي والعربي بصفتها حامية للأماكن المقدسة للإسلام؛ وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي ولديها اقتصاد متطور وصناعة دفاعية متقدمة؛ ومصر تسيطر على قناة السويس.
قلق إسرائيل
ورأت الصحيفة أنه ينبغي أن تشعر إسرائيل بالقلق إزاء هذا التحالف. ويتمثل الخوف الرئيس في تزايد عزلة إسرائيل في المنطقة.
وقالت إنه على الرغم من أنه لا يبدو أن هناك خطرًا مباشرًا يهدد اتفاقيات السلام والتطبيع التي نجت من حرب غزة، فإن تدهور علاقات إسرائيل مع دول المنطقة - وبخاصة مصر والأردن - سيؤثر أيضًا على فرص تعزيز التطبيع مع دول أخرى في المنطقة، ولا سيما السعودية، في أعقاب الحرب.
ومن المخاوف الأخرى التي أبرزتها الصحيفة، تعزيز مكانة تركيا في المنطقة نتيجةً لضعف إيران. ففي ضوء رد السعودية العسكري المحدود على الهجمات الإيرانية، وتراجع مكانة مصر الإقليمية على مر السنين، تبقى تركيا المرشح الأبرز للقيادة الإسلامية في المنطقة. ولا شك أن إسرائيل تُعتبر عقبةً في نظر تركيا.
وتابعت: "ينبغي لإسرائيل أن تتوقع، في أعقاب الحرب، تصاعد الدعوات في العالم الإسلامي والعربي، وربما على مستوى العالم أجمع، لحل القضية الفلسطينية، أولاً في غزة، ثم في الضفة الغربية. ولا شك أن هذا التكتل العربي الإسلامي الجديد سيجد هنا أساسًا مشتركًا للتعاون".
https://www.jpost.com/opinion/article-891245

